ابن الجوزي
350
القصاص والمذكرين
لي أحمد بن حنبل يوما ، يبلغني أنّ الحارث هذا - يعني المحاسبي « 1 » - يكثر الكون عندك / فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه . فقلت : السمع والطاعة لك يا أبا عبد اللّه ! وسرّني هذا الابتداء من أبي عبد اللّه فقصدت الحارث ، وسألته أن يحضرنا تلك الليلة . فقلت : وتسأل أصحابك أن يحضروا معك ! فقال : يا إسماعيل ! فيهم كثرة فلا تزدهم على الكسب « 2 » والتمر وأكثر منهما ما استطعت . ففعلت ما أمرني به ، وانصرفت إلى أبي عبد اللّه فأخبرته . فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار ، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ . وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا . ثمّ قاموا لصلاة العتمة « 3 » ، ولم يصلّوا بعدها . وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل . وابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة . فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون ، وكأنّ على رؤوسهم الطير . فمنهم / من يبكي ، ومنهم من يزعق وهو في كلامه . فصعدت الغرفة لأتعرّف حال أبي عبد اللّه ، فوجدته قد بكى حتّى غشي عليه . وانصرفت إليهم ، ولم تزل تلك حالهم حتّى أصبحوا فقاموا وتفرّقوا . فصعدت إلى أبي عبد اللّه وهو متغيّر الحال . فقلت : كيف رأيت
--> ( 1 ) هو الحارث بن أسد المحاسبي سبقت ترجمته ص 309 . ( 2 ) الكسب : بضم الكاف وسكون السين عصارة الدهن . ( 3 ) أي صلاة العشاء وفي « سنن ابن ماجة » في باب النهي ان يقال صلاة العتمة 1 / 230 - 231 حديثان عن ابن عمر وعن أبي هريرة ونصهما متقارب : « لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، فإنما هي العشاء وانما يقولون العتمة لا عتامهم بالإبل » . ولفظ حديث ابن عمر في « صحيح مسلم » : « . . . فإنها في كتاب اللّه العشاء ، وانهم يعتمون بحلاب الإبل » . قال ابن حجر في « الفتح » 2 / 45 : ( واختلف السلف في ذلك : فمنهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث ، ومنهم من أطلق جوازه . . . ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الراجح ) . وقد أورد البخاري في صحيحه 1 / 98 أحاديث حاصلها ثبوت تسمية هذه الصلاة تارة عتمة وتارة عشاء وقال : ( قال أبو عبد اللّه - يعني نفسه - : والاختيار أن يقول العشاء لقوله تعالى وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ) .